عرض مفصل لكتاب: "الإسلام السياسي الجديد: حقوق الإنسان، الديمقراطية، والعدالة" للمؤلف إيمانويل كاراغيانيس (Emmanuel Karagiannis)

عرض مفصل لكتاب: “الإسلام السياسي الجديد: حقوق الإنسان، الديمقراطية، والعدالة”[1]

للمؤلف إيمانويل كاراغيانيس (Emmanuel Karagiannis)

أولاً: خلفية عامة عن الكتاب

يتناول هذا الكتاب ظاهرة “الإسلام السياسي” في مرحلة ما بعد الحرب الباردة من زاوية تحليلية مقارنة، مركّزًا على التحولات التي طرأت على الحركات الإسلامية في عدد من الدول، ولا سيما تبنّيها خطابًا جديدًا حول الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعدالة، بما يتناقض مع الصورة النمطية التي يروّج لها الإعلام والسياسات الغربية.

يسعى كاراغيانيس إلى تقديم مقاربة متحرّرة من الثنائيات التقليدية (مثل: إسلامي/علماني، متطرّف/معتدل)، ويقترح بدلًا من ذلك فهمًا تطوريًا لطبيعة الحركات الإسلامية، ولا سيما في كيفية استجابتها للتحولات الاجتماعية والسياسية في مجتمعاتها.

ثانيا: أهمية الكتاب

يُعد هذا الكتاب مساهمة مهمة في فهم تحولات الإسلام السياسي في القرن الحادي والعشرين، خصوصًا في ضوء الثورات العربية وما بعدها. ويقترح رؤية أكثر تعقيدًا وواقعية لما يمكن أن يكون عليه الإسلاميون في المستقبل، بعيدًا عن النظريات التي تربطهم حصريًا بالإرهاب أو التطرف.

ثالثا: فرضية الكتاب الأساسية

يطرح المؤلف فرضية محورية مفادها أن الحركات الإسلامية ليست جامدة أو أصولية بطبيعتها، بل هي قادرة على تطوير خطابها السياسي بما ينسجم مع مفاهيم حديثة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، شرط أن تُفهم هذه القيم وتُتبنّى من منظور إسلامي داخلي، لا وفق مقاربات غربية خارجية.

بمعنى آخر، يسعى الكتاب إلى توضيح كيف يمكن للإسلام السياسي أن يتحوّل إلى فاعل ديمقراطي — ولكن وفق شروطه الخاصة.

رابعا: منهجية الكتاب

يعتمد كاراغيانيس على منهج دراسة الحالات المقارنة، حيث يركّز على عدد من الحركات الإسلامية في بلدان مختلفة، مثل:

ويعتمد في تحليله على:

خامسا: محاور الكتاب

يتناول كتابالإسلام السياسي الجديد: حقوق الإنسان، الديمقراطية، والعدالةلإيمانويل كاراغيانيس، محاور بارزة، كل محور بأبعاد متعددة، مع أمثلة وتفصيلات تدعم أطروحته الأساسية:

1. الإسلاميون والديمقراطية: تَكيُّف أم اقتناع؟

أ‌- من الرفض إلى القبول النسبي

بدأت العديد من الحركات الإسلامية مسيرتها برفض الديمقراطية، معتبرة إياها “مستوردة من الغرب”، غير أنها، مع مرور الوقت، وجدت في الانتخابات والمجالس النيابية أدوات فعّالة لتحقيق أهدافها. وهكذا، تحوّل الخطاب من رفض أيديولوجي إلى قبول براغماتي.

الديمقراطية من منظور إسلامي

لا يعني قبول الديمقراطية بالضرورة تبنّي علمانية الدولة. فقد طوّر الإسلاميون تصورًا خاصًا يجمع بين الاحتكام للإرادة الشعبية والالتزام بالمرجعية الإسلامية، فيما يُعرف بـ”الديمقراطية ذات المرجعية الدينية”.

آليات المشاركة السياسية

وقد أسهمت هذه الآليات في جعل الإسلاميين فاعلين أساسيين في كثير من التحولات السياسية في المنطقة، لا سيما بعد “الربيع العربي”.

2. الإسلاميون وحقوق الإنسان: التأويل لا الاستيراد

أ‌- مساحات التقاطع والتوتر

يتناول المؤلف كيف يحاول الإسلاميون التوفيق بين المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وبين المرجعية الشرعية. فمثلاً:

ب‌- الخطاب المتغير

يُظهر كاراغيانيس أن هناك تطورًا في الخطاب الحقوقي عند الإسلاميين، خاصة بعد الانخراط في المجال العام. فبينما كان يُستخدم خطاب “الخصوصية الثقافية” لتبرير الانغلاق، أصبح يُستَخدم لتقديم بدائل إسلامية لمفاهيم مثل الكرامة، الحرية، العدالة، والمواطنة.

3. العدالة: حجر الزاوية في الخطاب الإسلامي

أ‌- العدالة قبل الديمقراطية

يرى كثير من الإسلاميين أن الديمقراطية وسيلة، لكن العدالة هي الغاية. وهذا مفهوم مركزي في التصور السياسي الإسلامي، يتمحور حول:

ب‌- استحضار التاريخ الإسلامي

تستند الحركات الإسلامية إلى نماذج من الخلافة الراشدة، ولا سيما عهدي عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، لتقديم تصوّرات عن “عدالة إسلامية” تُطرح كبديل للنماذج الغربية.

ج‌- العدالة الاجتماعية والاقتصادية

يركّز المؤلف على الكيفية التي تتبناها الأحزاب الإسلامية في صياغة برامج تهتم بـ:

وهي كلها تُقدَّم كترجمة معاصرة لقيم دينية.

4. العنف والمشاركة: جدلية التحول

أ‌– من الجهاد إلى العمل البرلماني

يحاول المؤلف تفسير التحولات الكبرى لدى بعض الحركات الإسلامية المسلحة التي تبنت لاحقًا العمل السياسي السلمي.

ب‌- شروط التحول

ج‌- حدود التحول

ليس كل الإسلاميين انتقلوا بالكامل إلى السياسة؛ إذ توجد تيارات ترفض الديمقراطية، وتصر على “الحاكمية”، مثل بعض جماعات السلفية الجهادية.

5. الإسلام السياسي والتعددية الدينية والعرقية

يناقش كاراغيانيس موقف الإسلاميين من الأقليات الدينية، مثل المسيحيين في مصر والأيزيديين في العراق، وكذلك من التنوع المذهبي (السنة والشيعة) والإثني (العرب، الأكراد، الأمازيغ…).

6. الإسلاميون والعالم الغربي: بين النقد والاندماج

أ‌- نقد الهيمنة الغربية

يستعرض الكتاب كيف ينتقد الإسلاميون النظام الدولي بوصفه ظالمًا ومنافقًا، خاصة في قضايا فلسطين والعراق وأفغانستان.

ب‌- لكنلا قطيعة

على الرغم من هذا النقد، فإن كثيرًا من الحركات الإسلامية تسعى لبناء علاقات سياسية واقتصادية مع الغرب، وتحرص على تحسين صورتها في الإعلام الدولي.

ج‌- الإسلاميون في أوروبا

يتناول المؤلف أيضًا الإسلام السياسي في الغرب، لا سيما في أوروبا، موضحًا كيف تتشكل حركات إسلامية ذات طابع مدني وثقافي تُعنى بالمطالبة بحقوق الجاليات المسلمة، وتسعى إلى الاندماج في المجتمعات الغربية دون الذوبان في هويتها.

7. الدولة الإسلامية مقابل الدولة المدنية ذات مرجعية إسلامية

يناقش الكتاب الفرق بين:

النتائج العامة للكتاب

تضمن كتاب “الإسلام السياسي الجديد: حقوق الإنسان، الديمقراطية، والعدالة”، رؤى تحليلية معمّقة تكشف عما توصّل إليه المؤلف في نهاية دراسته:

1 – الإسلام السياسي ليس ظاهرة جامدة أو مطلقة

من أهم النتائج التي يبرزها المؤلف أن الإسلام السياسي لا يمكن اختزاله في صورة نمطية واحدة. فالحركات الإسلامية تختلف في أيديولوجياتها، ممارساتها، وحتى في فهمها للإسلام نفسه. هناك تنوع كبير بين من يطالب بتطبيق صارم للشريعة، ومن ينادي بدولة مدنية ذات مرجعية دينية.

والخلاصة هي أنه لا يوجد “إسلام سياسي” واحد، بل “إسلاميات سياسية” متعدّدة، تتشكل وفقًا للسياقات الوطنية والضغوط المحلية والدولية.

2 – قابلية الإسلاميين للدمقرطة مشروطة وليست حتمية

يخلص المؤلف إلى أن العديد من الحركات الإسلامية أظهرت استعدادًا حقيقيًّا للانخراط في اللعبة الديمقراطية، لا فقط كخطة تكتيكية، بل كخيار استراتيجي في بعض الحالات. لكن هذا الانخراط يظل مشروطًا بعدة عوامل:

والخلاصة هي أنه يمكن أن يتحول الإسلاميون إلى ديمقراطيين، لكن التحول ليس تلقائيًا أو مضمونًا، بل يتوقف على الظروف والسياق.

3 – العدالة هي القيمة المركزية لا الديمقراطية

على عكس ما يُفترض غالبًا، فإن الحركات الإسلامية لا تعتبر الديمقراطية بحد ذاتها هدفًا، بل تراها وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهي القيمة التي تحظى بمكانة مركزية في خطابها.

والخلاصة هي أنه من دون إحقاق العدالة، فإن الديمقراطية تفقد جاذبيتها بالنسبة إلى الإسلاميين، ولذلك فإن أي نموذج سياسي يطرحونه يتمحور حول “عدالة إسلامية” قبل أن يتمحور حول الديمقراطية الشكلية.

4 – هناك جهود لإعادة تأويل مفاهيم حقوق الإنسان

على الرغم من أن بعض المفاهيم الغربية حول حقوق الإنسان لا تزال تُرفض أو تُؤوَّل بشكل مغاير من قبل الإسلاميين (مثل حرية العقيدة المطلقة، أو المساواة الجندرية الكاملة)، إلا أن كثيرًا منهم باتوا يحاولون تقديم قراءة إسلامية لمبادئ كونية، مثل:

والخلاصة هي أن الإسلاميين لا يرفضون حقوق الإنسان من حيث المبدأ، بل يسعون إلى “أسلمتها” وتأويلها ضمن إطار قيمي خاص.

5 – الإسلاميون يتفاعلون مع الغرب بتوازن بين النقد والانفتاح

يبيّن المؤلف أن الإسلاميين لا يتبنون موقفًا موحدًا تجاه الغرب؛ فهم:

والخلاصة هي أن العلاقة بين الإسلاميين والغرب معقّدة، تتراوح بين المصلحة والتصادم، وبين النقد والاحتواء.

6 – التجربة أثبتت أن العنف ليس الخيار الوحيد أو الأكثر فاعلية

توصل الكتاب إلى أن العديد من الحركات الإسلامية التي جربت العنف، أدركت أن الانخراط في النظام السياسي يوفّر لها فرصًا أكبر لتحقيق أهدافها، ويكسبها شرعية محلية ودولية.

والخلاصة هي أن الإسلام السياسي في كثير من مظاهره يتجه نحو الاعتدال والمأسسة، لا نحو التطرف والانغلاق، خاصة إذا توفرت له الفرصة.

7 – السياقات الوطنية تحدد شكل الإسلام السياسي

من النتائج المهمة التي يشدد عليها المؤلف أن طبيعة النظام السياسي، والتكوين الاجتماعي، والتقاليد الدينية، كلها عوامل تحدد طبيعة الخطاب والممارسة الإسلامية:

والخلاصة هي أنه لا يمكن فهم الإسلام السياسي دون الرجوع إلى البيئة السياسية والاجتماعية المحيطة به.

النتيجة الختامية الأهم:

الإسلام السياسي ليس ظاهرة زائلة، بل متجددة

ينهي كاراغيانيس كتابه بتأكيد أن الإسلام السياسي سيظل حاضرًا؛ لأنه يعكس احتياجات حقيقية في المجتمعات الإسلامية: الهوية، العدالة، الإصلاح، والتعبير الديني. لكن شكله ومضمونه سيتغيران بحسب الزمان والمكان.

الخلاصة الختامية:

الإسلام السياسي الجديد ليس عودة للخلافة، بل إعادة تشكيل للسياسة من منطلق ديني، في عالم يتغير باستمرار.

[1] – إيمانويل كاراغيانيس، الإسلام السياسي الجديد – حقوق الإنسان، الديمقراطية، والعدالة، University of Pennsylvania Press، 2018، 280 صفحة

كاتب

Exit mobile version